الاثنين، 23 يناير 2012

صلاح عبد المقصود يكتب :دور الإخوان في الثورة المصرية “أحداث جمعة الغضب”


خرج الإخوان المسلمون في الساعات الأولى للثورة المصرية صباح يوم الثلاثاء 25 يناير 2011م، وسبق هذا الخروجَ إعدادٌ وتنسيقٌ بين شبابهم وبقية الشباب المصري على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”؛ حيث عبّر مئات الألوف من الشباب عن غضبهم من الأوضاع القائمة في البلد، واستعدادهم للخروج في التظاهرات ضد سياساته الفاسدة.
صلاح عبد المقصود
صلاح عبد المقصود
نقيب الصحفيين السابق
لم يلتفت الإخوان إلى تحذيرات الأمن وتهديداته التي وصلت إليهم بصورة مباشرة قبل الثورة بثلاثة أيام، ولم يفتَّ في عضدهم أن قامت قوات الأمن بتفريق المظاهرات في المحافظات المختلفة بالقوة، وكذا قيامها بفض اعتصام ميدان التحرير بالقوة في الساعة الواحدة قبل فجر الأربعاء 26 يناير، واعتقال المئات وإصابة مئات آخرين. هنا دعا الإخوان وبقية القوى المشاركة في الثورة إلى اعتبار يوم الجمعة الموافق 28 يناير “جمعة غضب” على النظام؛ بسبب ما أقدم عليه في يوم الثلاثاء. أعلنت أجهزة الأمن المصرية حالة الاستنفار، واحتشدت في مختلف الشوارع والميادين في مختلف المحافظات.. قوات يصل تعدادها إلى مليون و850 ألفاً، تحاول قمع شعب يطالب بالتغيير والحرية والعدالة الاجتماعية. خرجت المظاهرات في مختلف المساجد المصرية عقب صلاة الجمعة، وكانت طلائع الشباب تبدأ بالهتاف منادية فئات الشعب المختلفة بالانضمام إلى المسيرات، حيث كان النداء الموحّد هو: “يا أهالينا.. انضموا إلينا”.
وبالفعل لقي هذا النداء استجابة واسعة، خصوصاً عندما سمع الناس هؤلاء الشباب يرفعون أيديهم وهم يزحفون تجاه الميادين الكبرى، وتحاول قوات الأمن منع تقدمهم.


تعليمات مشدّدة
كان الشباب يهتفون بقولهم: “سلمية.. سلمية”، وهو ما أحرج بعض قيادات الأمن المكلفة بقمع هذه التظاهرات.
ولكن التعليمات كانت مشددة من القيادة الأمنية بوقف المظاهرات بأي ثمن، وبأي أسلوب كان، وهو ما دفع هذه القوات إلى استخدام العنف المفرط مع المتظاهرين، وبدأت هذه القوات في إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع واستخدام العصي الكهربائية لتفريق المتظاهرين، لكن الجماهير كانت تتقاطر من كل الاتجاهات قاصدة الميادين الرئيسة التي حددها الشباب.
ظلت محاولات الأمن في منع التقدم، لكن عشرات الآلاف نجحت بالفعل في الوصول إلى ميدان التحرير، خصوصاً من شارع قصر العيني، وكوبري قصر النيل، وجسر 6 أكتوبر وميدان عبدالمنعم رياض.
وبدأ الأمن يطلق الرصاص المطاطي ورصاص الخرطوش، ثم الرصاص الحي، ليسقط في هذا اليوم مئات الشهداء وآلاف الجرحى.


انسحاب الشرطة
سالت الدماء وسقط الشهداء والجرحى، لكن حاجز الخوف قد كُسر، ونفدت الذخائر من أيدي كثير من رجال الشرطة، وبدؤوا في طلب المدد، وهو ما أدى إلى تقهقر بعض الضباط والجنود خوفاً من المتظاهرين، واضطُرت بعض مصفحات الأمن لترويع المتظاهرين باختراق حشودهم أو دهس بعضهم، كذلك حاولوا تفريقهم بمدافع المياه، لكن المحاولات باءت بالفشل.
وهنا، صدر الأمر بالانسحاب قبل الرابعة عصراً بعشر دقائق، وأقدم العديد من الضباط والجنود إلى خلع ستراتهم الرسمية خوفاً من فتك المواطنين بهم إذا رأوهم بلباس الشرطة!.
ترك الضباط مصفحاتهم ومركباتهم وانسحبوا.. وهنا، أقدم المتظاهرون على إشعال النار في هذه السيارات والمركبات، وقامت بعض العناصر – التي لم يُعرف انتماؤها على وجه الدقة بعد – بإحراق أقسام الشرطة، والاستيلاء على الأسلحة الموجودة بها، كما قام بعض رجال الشرطة بفتح أو تسهيل عملية فتح السجون وإخراج السجناء منها، كذلك خرج السجناء الموجودون في أقسام الحجز بمراكز الشرطة؛ ليُحدثوا قدراً كبيراً من الهلع عند المواطنين.


فوضى وإرهاب
وصدرت التعليمات لعناصر الشرطة السرية بالقيام بأعمال نهب وسرقة وتحطيم واجهات المحلات وترويع الآمنين. بدؤوا بمقر الحزب الوطني الرئيسي بالقاهرة، وأشعلوا فيه النيران، وانضم إليهم أعداد كبيرة من أصحاب السوابق الإجرامية واللصوص، وتم السطو على بعض المحلات والمراكز التجارية، وماكينات صرف العملة.
في تلك اللحظات، كان اتصال الرئيس المخلوع “حسني مبارك” بوزير داخليته “حبيب العادلي” الذي فشل في المواجهة.. كانت اللهجة حادة والتوبيخ عنيفاً، وانتهى إلى القول: إنه سيأمر الجيش بالنزول إلى الشوارع لمساعدة الداخلية في السيطرة على الموقف.


البيان الأول
وسجل الرئيس المخلوع بيانه الأول الذي أذاعه التلفزيون المصري في الساعة العاشرة مساء، وحاول فيه امتصاص الغضب، لكن بإجراءات لا تحقق مطالب الناس؛ حيث أعلن إقالة الحكومة، ونزول الجيش، وحذر الشعب من الفوضى، وأعلن حظر التجوال من الساعة الثالثة ظهراً إلى الثامنة صباحاً.
وأقدم على قطع خدمات الإنترنت، وخدمة الهواتف النقالة، وقطع الاتصالات الخارجية، وألغى معظم رحلات الطيران، وأوقف تردد قناة “الجزيرة” وقطع الاتصالات عن مكاتبها.. هنا، أدركنا أن النظام قد بدأ في الانهيار.
وتعطلت المصالح الحكومية والخاصة، وحركة البنوك والمال والأعمال، وسادت حالة كبيرة من عدم الاستقرار، وتوجهت الأنظار إلى مصر وثورتها الشعبية وما سال فيها من دماء مئات الشهداء المسالمين وآلاف المصابين.


لجان شعبية
في مواجهة حالة الفوضى التي أحدثها النظام في الشارع، وحالة الرعب والهلع التي تسبب فيها انسحاب الأمن من الشارع، وانسحاب رجال المرور وغيرهم، إضافة إلى قيام بعض عناصر الشرطة السرية والبلطجية وعناصر الإجرام التي فُتحت لها السجون، وبدأت تنتشر في الأحياء السكنية والشوارع..
هنا، وجّهت قيادة الإخوان المسلمين أعضاءها إلى التعاون مع الأهالي في تشكيل لجان شعبية تتولى حماية المنشآت العامة والخاصة والمساكن، وتنظيم المرور.
وبالفعل، قام الأهالي بالتعاون فيما بينهم، وكان للمساجد دور كبير في هذا الأمر؛ حيث خرجت النداءات من مكبّرات الصوت في المساجد تدعو الشباب إلى التجمّع لتنظيم عمليات الحراسة والتأمين للبيوت والشوارع والمنشآت العامة والخاصة.
وكانت حالة اجتماعية رائعة نجح فيها الشعب في الاختبار؛ حيث قاموا بعمل الحواجز، وتشكيل لجان الحراسة، وأصبح الكل مساهماً في هذا العمل، وتحولت الثورة إلى حالة عامة، انشغل بها الأغلبية العظمى من الشعب المصري.. فهناك من يتظاهر ويعتصم ويرابط في الميادين الكبرى، وهناك من يقف في حراسة الأحياء والممتلكات وينظم المرور ويؤمن المرافق.


خروج السجناء والمعتقلين
وفُتحت السجون على المعتقلين والسجناء، ومعظمهم من الجنائيين وأصحاب السوابق الإجرامية؛ حيث خرج من هذه السجون أكثر من 23 ألف سجين،.. وإضافة إلى الجنائين خرج عدد من قيادات الإخوان المسلمين الذين سبق اعتقالهم ليلة «جمعة الغضب»، ومنهم سبعة من أعضاء مكتب الإرشاد، و27 من قيادات الإخوان في المحافظات؛ حيث فتح الأهالي عليهم عنبر السجن في “وادي النطرون” وسط الحرائق وإطلاق كثيف للنيران.. بينما فر كل من كان في السجن من الحراس وبقية السجناء.
كما خرج سجناء ما كان يُعرف بـ”خلية حزب الله” المتهمة بإدخال مساعدات مالية وعسكرية إلى الأراضي الفلسطينية عبر أنفاق “رفح”، وكان بعضهم محكوماً عليه بأحكام تصل إلى الأشغال المؤبّدة، كذلك نجح عدد من معتقلي حركتَيْ “حماس” و”الجهاد الإسلامي”» في السجون المصرية من الخروج، ووصلوا إلى قطاع غزة عبر الأنفاق.


“الشاطر” و”مالك” يرفضان
علم شباب “التحرير” بأمر فتح السجون على الجنائيين وأصحاب السوابق الإجرامية، فرأوا تحريك بضعة آلاف لتحرير السجناء السياسيين في سجن “مزرعة طرة”، وعلى رأسهم المهندس “خيرت الشاطر” نائب المرشد العام، والأستاذ “حسن مالك”» رجل الأعمال، و”د. أسامة سليمان”، وكلهم مسجونون بأحكام استثنائية ظالمة، لكن “الشاطر” ورفاقه رفضوا الخروج بهذه الطريقة.
وهو ما دعا الشباب إلى التراجع عن هذه الخطوة، وقد كان تحقيقها ممكناً في ظل حالة الفوضى والفراغ الأمني الذي ساد البلاد.. إلا أن رؤية “الشاطر” كانت أصوب؛ حيث منَّ الله عليه وعلى رفيقه “مالك” بالخروج.


نزول الجيش
مساء “جمعة الغضب”، بدأت الدبابات في النزول إلى الشارع، وأخذت مواقعها في الميادين المهمة، وكانت أولى الوحدات العسكرية التي نزلت إلى الشارع من “الحرس الجمهوري”؛ حيث توجهت على الفور، وحاصرت مبنى الإذاعة والتلفزيون، ثم تبعتها وحدات عسكرية أخرى أخذت مواقعها أمام المقرات الحيوية في البلاد.
عندما نزل رجال الجيش إلى الشوارع، استقبلهم الثوار بالأعلام المصرية وشارات النصر والأحضان.. وكنت ترى الشباب يقفزون على الدبابات يصافحون الجنود والضباط، ويعانقونهم ويرحّبون بهم، ويهتفون لهم: “الجيش والشعب يد واحدة”.
لم يكن الجيش بعيداً عن نبض الشعب، ولم يكن غافلاً عن الجرائم التي ارتكبها الجهاز الأمني، وكان على علم بالمجزرة التي تم ارتكابها في نهار ذلك اليوم (الجمعة 28 يناير)، وراح ضحيتها مئات الشهداء وآلاف الجرحى.
لم يستعمل الجيش أي عنف مع الثوار، بل اقتصرت مهمته على التمركز ونشر قواته، التي قوبلت بترحاب وارتياح كبيرين من أبناء الشعب. كنت ترى بعض النساء توزع عليهم الحلوى، والشباب يستقبلونهم بالتحية والأحضان.
ومع الجيش شعر الشباب بالأمان، وأخذوا مواقعهم في “ميدان التحرير” وغيره من الميادين، وبدأت لهجة مطالبهم تتصاعد من الإصلاح إلى التغيير وإسقاط النظام والمطالبة برحيله، بل ومحاكمته.
وأقدم الثوار على كتابة مطالبهم على دبابات الجيش: “يسقط حسني مبارك”.. “الشعب يريد إسقاط النظام”.. “ارحل”، ولم يتعرض لهم الضباط والجنود.
وأصبحت مطالب الثوار مكتوبة على الدبابات المحيطة بميدان التحرير؛ لتلتقطها عدسات المصورين والفضائيات، وتنقلها إلى العالم.
—————-
نقلا عن مجلة “المجتمع” الكويتية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق